الغزالي
120
إحياء علوم الدين
إبراهيم بن أدهم رحمه الله ، من تعود أفخاذ النساء لم يجئ منه شيء . وقال أبو سلمان رحمه الله ، من تزوّج فقد ركن إلى الدنيا . أي يدعوه ذلك إلى الركون إلى الدنيا فهذه مجامع الآفات والفوائد فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور ، بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبرا ومحكا ، ويعرض المريد عليه نفسه فان انتفت في حقه الآفات ، واجتمعت الفوائد بان كان له مال حلال ، وخلق حسن ، وجدّ في الدين تام ، لا يشغله النكاح عن الله وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة ، فلا يماري في أن النكاح أفضل له مع ما فيه من السعي في تحصيل الولد . فان انتفت الفوائد ، واجتمعت الآفات ، فالعزوبة أفضل له . وان تقابل الأمران وهو الغالب ، فينبغي أن يوزن بالميزان القسط حظ تلك الفائدة في الزيادة من دينه وحظ تلك الآفات في النقصان منه ، فإذا غلب على الظن رجحان أحدهما ، حكم به وأظهر الفوائد الولد ، وتسكين الشهوة ، وأظهر الآفات الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله ، فلنفرض تقابل هذه الأمور فنقول من لم يكن في أذية من الشهوة ، وكانت فائدة نكاحه في السعي لتحصيل الولد ، وكانت الآفة الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله ، فالعزوبة له أولى . فلا خير فيما يشغل عن الله ، ولا خير في كسب الحرام : ولا بقي بنقصان هذين الامرين أمر الولد ، فان النكاح للولد سعى في طلب حياة للولد موهومة ، وهذا نقصان في الدين ناجز . فحفظه لحياة نفسه وصونها عن الهلاك أهم من السعي في الولد ، وذلك ربح ، والدين رأس مال ، وفي فساد الدين بطلان الحياة الأخروية ، وذهاب رأس المال . ولا تقاوم هذه الفائدة إحدى هاتين الآفتين . وأما إذا انضاف إلى أمر الولد حاجة كسر الشهوة ، لتوقان النفس إلى النكاح ، نظر ، فإن لم يقو لجام التقوى في رأسه ، وخاف على نفسه الزنا ، فالنكاح له أولى . لأنه متردد بين أن يقتحم الزنا ، أو يأكل الحرام ، والكسب الحرام أهون الشرين . وان كان يثق بنفسه أنه لا يزني ، ولكن لا يقدر مع ذلك على غض البصر عن الحرام ، فترك النكاح أولى لأن النظر حرام ، والكسب من غير وجهه حرام ، والكسب يقع دائما ، وفيه عصيانه وعصيان أهله